سيد قطب
2557
في ظلال القرآن
يبدأ هذا الشوط من السورة بما يشبه بدء الشوط الأول ، ويسير سيرته في تقديم ما يتطاول به المشركون على ربهم ، وما يتفوهون به من اعتراضات واقتراحات ، مقدمة لما يتطاولون به على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في مقام تسليته وتعزيته . غير أن السياق هنا يعجل بعرض ما ينتظرهم من عذاب الآخرة عقابا على ذلك التطاول ، في سلسلة متصلة من مشاهد القيامة ، ردا على قولهم : « لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا » . . ثم يعرض اعتراضاتهم على تنزيل القرآن منجما ، ويعقب ببيان الحكمة من تنزيله متتابعا ، ويطمئن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على عون اللّه له كلما تحدوه في جدل : ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا . . ويعرض عليه وعليهم مصارع المكذبين قبلهم ، ويوجه نظرهم إلى مصرع قوم لوط ، وهم يمرون على قريته المدمرة ، مستنكرا ألا يحرك قلوبهم منظرها وهم يمرون عليها . . كل أولئك مقدمة لعرض استهزائهم بشخصه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتطاولهم على مقامه ، وما يكاد يعرض هذا حتى يعقب عليه تعقيبا قويا ، يحقرهم فيه ويحتقرهم : « إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » . . « وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ! لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً . يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ، وَيَقُولُونَ : حِجْراً مَحْجُوراً . وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً . أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ